فلاَ حَظَّ لَهُمْ فِي نَعِيمِ الآخِرَةِ، وَأَنَّ الَّذِي لَهُمْ فِي الآخِرَةِ الْعَذَابُ غَيْرَ مُخَفَّفٍ عَنْهُمْ فِيهَا الْعَذَابُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُخَفَّفُ عَنْهُ فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ هُوَ الَّذِي لَهُ حَظٌّ فِي نَعِيمِهَا، وَلاَ حَظَّ لِهَؤُلاَءِ لاِشْتِرَائِهِمُ كَانَ فِي الدُّنْيَا دُنْيَاهُمْ بِآخِرَتِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ لاَ يَنْصُرُهُمْ فِي الآخِرَةِ أَحَدٌ فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ بِنُصْرَتِهِ عَذَابَ اللَّهِ، لاَ بِقُوَّتِهِ وَلاَ بِشَفَاعَتِهِ وَلاَ غَيْرِهِمَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾.
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ :﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الإِيتَاءِ : الإِعْطَاءُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَالْكِتَابُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ هُوَ التَّوْرَاةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿وَقَفَّيْنَا﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأَرْدَفْنَا وَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ، كَمَا يَقْفُو الرَّجُلُ الرَّجُلَ إِذَا سَارَ فِي أَثَرِهِ مِنْ وَرَائِهِ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْقَفَا، يُقَالُ مِنْهُ : قَفَوْتُ فُلاَنًا : إِذَا صِرْتُ خَلْفَ قَفَاهُ، كَمَا يُقَالُ دَبَرْتُهُ : إِذَا صِرْتُ فِي دُبُرِهِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ :﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ مِنْ بَعْدِ مُوسَى.
وَيَعْنِي ﴿بِالرُّسُلِ﴾ الأَنْبِيَاءَ، وَهُمْ جَمْعُ رَسُولٍ، يُقَالُ : هُوَ رَسُولٌ وَهُمْ رُسُلٌ، كَمَا يُقَالُ : هُوَ صَبُورٌ وَهُمْ قَوْمٌ صُبُرٌ، وَهُوَ رَجُلٌ شَكُورٌ وَهُمْ قَوْمٌ شُكُرٌ.


الصفحة التالية
Icon