وَذَلِكَ قِرَاءَةُ مُعْظَمِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؛ بِمَعْنَى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أَنْ يَفْدُوهُ طَعَامُ مِسْكِينٍ ؛ فَلَمَّا جُعِلَ مَكَانَ أَنْ يَفْدِيَهُ الْفِدْيَةُ أُضِيفَ إِلَى الطَّعَامِ، كَمَا يُقَالُ : لَزِمَنِي غَرَامَةُ دِرْهَمٍ لَكَ بِمَعْنَى لَزِمَنِي أَنْ أَغْرَمَ لَكَ دِرْهَمًا.
وَآخَرُونَ يَقْرَءُونَهُ بِتَنْوِينِ الْفِدْيَةِ ؛ وَرَفْعُ الطَّعَامِ بِمَعْنَى الإِبَانَةِ بالطَّعَامِ عَنْ مَعْنَى الْفِدْيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي صَوْمِهِ الْوَاجِبِ، كَمَا يُقَالُ لَزِمَنِي غَرَامَةُ دِرْهَمٍ لَكَ، فَتَبَيَّنَ بِالدِّرْهَمِ عَنْ مَعْنَى الْغَرَامَةِ مَا هِيَ وَمَا حَدُّهَا، وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عُظْمِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : فِدْيَةٌ طَعَامٌ بِإِضَافَةِ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وترك تنوينها وخفض الطعام ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَهِيَ غَيْرُ الطَّعَامِ الْمَفْدِيِّ بِهِ الصَّوْمُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْفِدْيَةَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : فَدَيْتُ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، أَفْدِيهِ فِدْيَةً، كَمَا يُقَالُ : جَلَسْتُ جِلْسَةً، وَمَشَيْتُ مِشْيَةً، فالْفِدْيَةُ فِعْلٌ، وَالطَّعَامُ غَيْرُهَا.
فَإِذ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيَّنَ أَنَّ أَصَحَّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِضَافَةُ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَوَاضِحٌ خَطَأُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ تَرْكَ إِضَافَةِ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَنَّ الطَّعَامَ عِنْدَهُ هُوَ الْفِدْيَةُ.