يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاقْتُلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ أَصَبْتُمْ مُقَاتِلَهُمْ وَأَمْكَنَكُمْ قَتْلَهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ :﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
وَمَعْنَى الثَّقَافَةِ بِالأَمْرِ : الْحَذْقُ بِهِ وَالْبَصَرُ، يُقَالُ : إِنَّهُ لَثَقِفٌ لَقِفٌ إِذَا كَانَ جَيِّدَ الْحَذَرِ فِي الْقِتَالِ بَصِيرًا بِمَوَاضعِ الْقَتْلِ.
وَأَمَّا التَّثْقَيفُ فَمَعْنًى غَيْرِ هَذَا وَهُوَ التَّقْوِيمُ.
فَمَعْنَى :﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ اقْتُلُوهُمْ فِي أَيِّ مَكَانٍ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلِهِمِ وَأَبْصَرْتُمْ مُقَاتِلَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثِ أَخْرَجُوكُمْ﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهَاجِرِينُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَخْرِجُوا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَقَدِ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِكُمْ وَدِيَارِهِمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ :﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى أَنَّ أَصْلَ الْفِتْنَةِ الاِبْتِلاَءُ، وَالاِخْتِبَارُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلاَمِ : وَابْتِلاَءُ الْمُؤْمِنِ فِي دِينِهِ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْهُ فَيَصِيرُ مُشْرِكًا بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِسْلاَمِهِ أَشَدُّ عَلَيْهِ وَأَضَرُّ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ مُقِيمًا عَلَى دِينِهِ مُتَمَسِّكًا عَلَيْهِ مُحِقًّا فِيهِ.


الصفحة التالية
Icon