فَيُقَالُ لِقَائِلِ ذَلِكَ : فَقَدْ جُعِلَ الاِعْتِكَافُ تَطَوُّع، فَمَا الْفَرْضُ منه الَّذِي هُوَ إِمَامُ تَطَوَّعِهِ ؟ ثُمَّ يُسْأَلُ عَنِ الاِعْتِكَافِ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ وَاجِبٍ ؟ فَإِنْ قَالَ : وَاجِبٌ، خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الأُمَّةِ، وَإِنْ قَالَ : تَطَوُّعٌ، قِيلَ : فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الاِعْتِكَافُ تَطَوُّعًا، وَالْعُمْرَةُ فَرْضًا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قولا إِلاَّ أُلْزِمَ فِي الآخَرِ مِثْلَهُ.
وَبِمَا اسْتَشْهَدْنَا مِنَ الأَدِلَّةِ، فَإِنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي الْعُمْرَةِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهَا نَصْبًا. وَإِنَّ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِإِتْمَامِ أَعْمَالِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِمَا، وَإِيجَابِهِمَا عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ حُدُودِهِمَا، وَسُنَنِهِمَا. وَإِنَّ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْعُمْرَةِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : هِيَ تَطَوُّعٌ لاَ فَرْضٌ. وَإِنَّ مَعْنَى الآيَةِ : وَأَتِمُّوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بَعْدَ دُخُولِكُمْ فِيهِمَا، وَإِيجَابِكُمُوهِمَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ عَلَى مَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ مِنْ حُدُودِهِمَا.
وَإِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي عَمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صَدَّ فِيهَا عَنِ الْبَيْتِ مَعْرِفَةَ والْمُؤْمِنِينَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ فِي إِحْرَامِهِمْ إِنْ خُلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ وَمُبَيِّنًا لَهُمْ فِيهَا مَا الْمَخْرَجُ لَهُمْ مِنْ إِحْرَامِهِمْ إِنْ أَحْصروا، فَصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ وَبِذِكْرِ اللاَّزِمِ لَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ فِي عُمْرَتِهِمُ الَّتِي اعْتَمَرُوهَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَا يَلْزَمُهُمْ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي عُمْرَتِهِمْ، وَحَجِّهِمْ، افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.