مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ :

فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الْعَسَقْ وَلَمْ يُضِعْهَا بَيْنَ فَرْكٍ وَعَشَقْ
يَعْنِي بِذَلِكَ : عَفَّ عَنْ غِشْيَانِهَا بَعْدَ طُولِ مُلاَزَمَتِهِ ذَلِكَ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ :
وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أَنْفَ الْقِصَاعِ
وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِكُلِّ مَا أَخْفَاهُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ سِرٌّ.
وَيُقَالُ : هُوَ فِي سِرِّ قَوْمِهِ، يَعْنِي فِي خِيَارِهِمْ وَشَرَفِهِمْ.
فَلَمَّا كَانَ السِّرُّ إِنَّمَا يُوَجَّهُ فِي كَلاَمِهَا إِلَى أَحَدِ هَذِهِ الأَوْجُهِ الثَّلاَثَةِ، وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَحَدَهُنَّ غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ قَوْلُهُ :﴿وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْخِيَارِ وَالشَّرَفِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْوَجْهَانِ الآخَرَانِ وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي بِمَعْنَى مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُ الْمُوَاعِدِينَ الْمُتَوَاعِدِينَ، وَالسِّرُّ الَّذِي بِمَعْنَى الْغِشْيَانِ، وَالْجِمَاعِ. فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُمَا، وَكَانَتِ الدَّلاَلَةُ وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ صَحَّ أَنَّ الآخَرَ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِهِ.


الصفحة التالية
Icon