وَأَوْلَى الأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِتَأْوِيلِ الآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّسْخَ لاَ يَكُونُ فِي حُكْمٍ إِلاَّ يَنْفِيهِ بِآخَرَ لَهُ نَافٍ مِنْ كُلِّ وُجُوهِهِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ نَفْي الْحُكْمِ الَّذِي أَعْلَمَ عِبَادَهُ بِقَوْلِهِ :﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ لِأَنَّ الْمُحَاسَبَةَ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ عُقُوبَةً، وَلاَ مُؤَاخَذَةً بِمَا حُوسِبَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ حِينَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ كُتُبُ أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُونَ :﴿يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّ كُتُبَهُمُ مُحْصِيَةٌ عَلَيْهِمْ صَغَائِرَ أَعْمَالِهِمْ وَكَبَائِرَهَا، فَلَمْ تَكُنِ الْكُتُبُ وَإِنْ أحْصَتْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ وَكَبَائِرَهَا بِمُوجِبَ إِحْصَاؤُهَا عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ لَهُ، أَنْ يَكُونُوا بِكُلِّ مَا أَحْصَتْهُ الْكُتُبُ مِنَ الذُّنُوبِ مُعَاقَبِينَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَّهُمُ الْعَفْوَ عَنِ الصَّغَائِرِ بِاجْتِنَابِهِمُ الْكَبَائِرَ، فَقَالَ فِي تَنْزِيلِهِ :﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا﴾، فَدُلَّك أَنَّ مُحَاسَبَةَ اللَّهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُوَ مُحَاسِبُهُمْ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أَخْفَتْهَا أَنْفُسُهُمْ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُمْ مِنْهُ عُقُوبَةً، بَلْ مُحَاسَبَتُهُ إِيَّاهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِيُعَرِّفُهُمْ تَفَضُّلَهُ عَلَيْهِمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا كَمَا بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي :
٦٥٣٥- حَدَّثَنِي بِهِ، أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُدْنِي اللَّهُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِسَيِّئَاتِهِ يَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ، فَيَقُولُ : سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا الْيَوْمَ، ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ، فَيَقُولُ : هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ أَوْ كَمَا قَالَ : وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَإِنَّهُ يُنَادِي بِهِ عَلَى رُءُوسِ الأَشْهَادِ.


الصفحة التالية
Icon