أَوْ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ مِمَّا كَانَ جَائِزًا ابْتِدَاءً إِبَاحَةُ تَرْكِهِ، فَأَوْجَبَ فِعْلَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَهِمُّ بِذَلِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا هُوَ لَمْ يُصَحِّحْ هَمَّهُ بِمَا يَهِمَّ بِهِ، وَيُحَقِّقْ مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُهُ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّقُّدُّمِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ فَهَذَا الَّذِي وَصَفْنَا هُوَ الَّذِي يُحَاسِبُ اللَّهُ بِهِ مُؤْمِنِي عِبَادِهِ ثُمَّ لاَ يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُهُ شَكًّا فِي اللَّهُ وَارْتِيَابًا فِي نُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ، فَذَلِكَ هُوَ الْهَالِكُ الْمُخَلَّدُ فِي النَّارِ، الَّذِي أَوْعَدَهُ جَلَّ ثناؤُهُ الْعَذَابَ الأَلِيمَ بِقَوْلِهِ :﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾
فَتَأْوِيلُ الآيَةِ إِذًا :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ، فَتُظْهِرُوهُ ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فَتَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُكُمْ، ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فَيُعَرِّفُ مُؤْمِنَكُمْ تَفَضَّلَهُ بِعَفْوِهِ عَنْهُ، وَمَغْفِرَتَهُ لَهُ، فَيَغْفِرُهُ لَهُ، وَيُعَذِّبُ مُنَافِقَكُمْ عَلَى شَّكّهِ الَّذِي انْطَوَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي وَحْدَانِيَّةِ خَالِقِهِ وَنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ : وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعَفْوِ عَمَّا أَخْفَتْهُ نَفْسُ هَذَا الْمُؤْمِنِ مِنَ الْهَمَّةِ بِالْخَطِيئَةِ وَعَلَى عِقَابِ هَذَا الْكَافِرِ عَلَى مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُهُ مِنَ الشَّكِّ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ، وَمُجَازَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى كُلِّ مَا كَانَ مِنْهُ، وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ قَادِرٌ.


الصفحة التالية
Icon