وَكَذَلِكَ لِلْخَطَأِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ وَجْهِ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْعَبْدُ فَيَأْتِيهِ بِقَصْدٍ مِنْهُ وَإِرَادَةٍ، فَذَلِكَ خَطَأٌ مِنْهُ وَهُوَ بِهِ مَأْخُوذٌ، يُقَالُ مِنْهُ : خَطِئَ فُلاَنٌ وَأَخْطَأَ فِيمَا أَتَى مِنَ الْفِعْلِ، وَأَثِمَ إِذَا أَتَى مَا يَتَأَثَّمُ فِيهِ وَرَكِبَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
النَّاسُ يَلْحَوْنَ الأَمِيرَ إِذَا هُمُ... خَطِئُوا الصَّوَابَ وَلاَ يُلاَمُ الْمُرْشَدُ
يَعْنِي : أَخْطَئُوا الصَّوَابَ، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي يَرْغَبُ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ فِي صَفْحِ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ إِثْمٍ عَنْهُ، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُفْرًا،
وَالآخَرُ مِنْهُمَا مَا كَانَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْجَهْلِ بِهِ وَالظَّنِّ مِنْهُ بِأَنَّ لَهُ فِعْلَهُ كَالَّذِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلاً وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، أَوْ يُؤَخِّرُ صَلاَةً فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ بِتَأْخِيرِهِ إِيَّاهَا دُخُولَ وَقْتِهَا فَيَخْرُجُ وَقْتُهَا وَهُوَ يَرَى أَنَّ وَقْتَهَا لَمْ يَدْخُلْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ الْمَوْضُوعِ عَنِ الْعَبْدِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ عِبَادِهِ الإِثْمَ فِيهِ، فَلاَ وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ يُؤَاخِذَهُ بِهِ،
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ لاَ يُؤَاخِذَهُ بِمَا نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَوْ لِمَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّذَلُّلِ لَهُ وَالْخُضُوعِ بِالْمَسْأَلَةِ، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ مَسْأَلَتِهِ الصَّفْحَ، فَمَا لاَ وَجْهَ لَهُ عِنْدَهُمْ
وَلِلْبَيَانِ عَلىْ هَؤُلاءِ كِتَابٌ سَنَأْتِي فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لفِهَمْهِ.