وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ ابْتَدَأَ اللَّهُ بِتَنْزِيلِهِ فَاتِحَتَهَا بِالَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ نَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ، وَوَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالَّذِي وَصَفَهَا بِهِ ابْتَدَاءَهَا ؛ احْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّصَارَى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَجْرَانَ، فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَلْحَدُوا فِي اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ عِيسَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ نَيِّفًا وَثَلاَثِينَ آيَةً مِنْ أَوَّلِهَا، احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَقَالَتِهِمْ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَوْا إِلاَّ الْمُقَامَ عَلَى ضَلاَلَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ وَسَأَلُوا قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، فَقَبِلَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلاَدِهِمْ. غَيْرَ أَنَّ الأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِيَّاهُمْ قَصَدَ بِالْحِجَاجِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ مَعْنَاهُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ مَعْنَاهُمْ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَاتِّخَاذِ مَا سِوَى اللَّهِ رَبًّا وَإِلَهًا وَمَعْبُودًا، مَعْمُومُونَ بِالْحُجَّةِ الَّتِي حَجَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا مَنْ نَزَلَتْ مِنْ هَذِهِ الآيَاتِ فِيهِ، وَمَحْجُوجُونَ فِي الْفُرْقَانِ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي نُزُولِ افْتِتَاحِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهُ نَزَلَ فِي الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ مِنَ النَّصَارَى :
أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ الطَّبَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
٦٥٨٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَجْرَانَ سِتُّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فِي الأَرْبَعَةِ عَشَرَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِمْ يَؤُوُلُ أَمْرُهُمْ : الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَالَّذِي لاَ يَصْدُرُونَ إِلاَّ عَنْ رَأْيِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ. وَالسَّيِّدُ ثِمَالُهُمْ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَاسْمُهُ الأَيْهَمُ. وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُد بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، أُسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ. @


الصفحة التالية
Icon