فَمَعْنَى الآيَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : قَدْ كَانَ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا : إِحْدَاهُمَا مَسْلَمَةٌ، وَالأُخْرَى كَافِرَةٌ، كَثِيرٌ عَدَدُ الْكَافِرَةِ، قَلِيلٌ عَدَدُ الْمُسْلِمَةِ تَرَى الْفِئَةُ الْقَلِيلُ عَدَدُهَا الْكَثِيرَ عَدَدُهَا أَمْثَالا أَنَّما تَكْثُرُهَا مِنَ الْعَدَدِ بِمِثْلٍ وَاحِدٍ، فَهُمْ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ، فَيَكُونُ أَحَدُ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ الْعَدَدَ الَّذِي هُوَ مِثْلُ عَدَدِ الْفِئَةِ الَّتِي رَأَتْهُمْ، وَالْمِثْلُ الآخَرُ الضَّعْفَ الزَّائِدَ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَهَذَا أَحَدُ مَعْنَيَيِ التَّقْلِيلِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَلَّلَهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ،
وَالْمَعْنَى الآخَرُ مِنْهُ : التَّقْلِيلُ الثَّانِي عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ أَنْ أَرَاهُمْ عَدَدَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَ عَدَدِهِمْ لاَ يَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ، فَذَلِكَ التَّقْلِيلُ الثَّانِي الَّذِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : إِنَّ الَّذِينَ رَأَوُا الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ أَنْفُسِهِمْ هُمُ الْمُسْلِمُونِ غَيْرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ رَأَوْهُمْ عَلَى مَا كَانُوا بِهِ مِنْ عَدَدِهِمْ، لَمْ يُقَلَّلُوا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ، قَالُوا : وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْيَهُودِ : قَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ عِبْرَةٌ ؛ يُخَوِّفُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِنْهُمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِأَهْلِ بَدْرٍ عَلَى أَيْدِيهِمْ.


الصفحة التالية
Icon