كَانَتْ نَوَارُ تَدِينُكَ الأَدْيَانَا يَعْنِي تُذِلُّكَ. وَقَوْلُ الأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ :
هُوَ دَانَ الرَّبَابَ إِذْ كَرِهُوا الدِّ... ينَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وِصِيَالِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ دَانَ : ذَلَّلَ، وَبِقَوْلِهِ كَرِهُوا الدِّينَ : الطَّاعَةَ.
وَكَذَلِكَ الإِسْلامُ، وَهُوَ الاِنْقِيَادُ بِالتَّذَلُّلِ وَالْخُشُوعِ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ أَسْلَمَ، بِمَعْنَى : دَخَلَ فِي السِّلْمِ، كَمَا يُقَالُ : أَقْحَطَ الْقَوْمُ : إِذَا دَخَلُوا فِي الْقَحْطِ، وَأَرْبَعُوا : إِذَا دَخَلُوا فِي الرَّبِيعِ، فَكَذَلِكَ أَسْلَمُوا : إِذَا دَخَلُوا فِي السِّلْمِ، وَهُوَ الاِنْقِيَادُ بِالْخُضُوعِ وَتَرْكُ الْمُمَانَعَةِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ :﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ إِنَّ الطَّاعَةَ لله الَّتِي هِيَ الطَّاعَةُ له عِنْدَهُ الطَّاعَةُ لَهُ، وَإِقْرَارُ الأَلْسُنِ وَالْقُلُوبِ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَانْقِيَادُهَا لَهُ بِالطَّاعَةِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، وَتَذَلُّلُهَا لَهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْبَارٍ عَلَيْهِ وَلاَ انْحِرَافٍ عَنْهُ دُونَ إِشْرَاكِ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ مَعَهُ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
٦٨٠٥- حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ :﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ وَالإِسْلاَمُ : شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَالإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَّعَ لِنَفْسِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءَهُ، لاَ يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَلاَ يَجْزِي إِلا بِهِ.


الصفحة التالية
Icon