وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فَإِنَّهُ قِيلَ : غَمًّا بِغَمٍّ، مَعْنَاهُ : غَمًّا عَلَى غَمٍّ، كَمَا قِيلَ :﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، بِمَعْنَى : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : أَثَابَكَ اللَّهُ غَمًّا عَلَى غَمٍّ : جَزَاكَ اللَّهُ غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ تَقَدَّمَهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ مَعْنَى : فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ : فَجَزَاكُمُ اللَّهُ غَمًّا بِعَقِبِ غَمٍّ تَقَدَّمَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : نَزَلْتُ بِبَنِي فُلاَنٍ، وَنَزَلْتُ عَلَى بَنِي فُلاَنٍ، وَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، وَعَلَى السَّيْفِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْغَمِّ الَّذِي أُثِيبَ الْقَوْمُ عَلَى الْغَمِّ، وَمَا كَانَ غَمَّهُمُ الأَوَّلَ وَالثَّانِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَمَّا الْغَمُّ الأَوَّلُ، فَكَانَ مَا تَحَدَّثَ بِهِ الْقَوْمُ أَنَّ نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ، وَأَمَّا الْغَمُّ الآخَرُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
٨١٠٠- حَدَّثنَا بِشْرٌ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ :﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ كَانُوا تَحَدَّثُوا يَوْمَئِذٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُصِيبَ، وَكَانَ الْغَمُّ الآخَرُ قَتْلَ أَصْحَابِهِمْ وَالْجَرَاحَاتِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ ؛ قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَقَوْلُهُ :﴿لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ يَقُولُ : مَا فَاتَكُمْ مِنْ غَنِيمَةِ الْقَوْمِ، وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحَاتِ.


الصفحة التالية
Icon