الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ : لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَمْ تَشْهَدُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَشْهَدَهُمْ، وَلَمْ تَحْضُرُوا مَعَهُمْ حَرْبَ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيَظْهَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا كُنْتُمْ تُخْفُونَهُ مِنْ نِفَاقِكُمْ، وَتَكْتُمُونَهُ مِنْ شْكِكُمْ فِي دِينِكِمْ، ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾، يَقُولُ : لَظَهَرَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ مَصْرَعُهُ فِيهِ مَنْ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ مِنْهُمْ وَالَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يُصْرَعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصْرَعَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ كُنْتُمْ تَبْرُزُونَ مِنْ بُيُوتِكُمْ إِلَى مَضَاجِعِكُمْ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ :﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ وَلِيُخْتَبِرَ اللَّهُ الَّذِي فِي صُدُورِكُمْ مِنَ الشَّكِّ، فَيُمَيِّزُكُمْ بِمَا يُظْهِرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِفَاقِكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعَانِيَ نَظَائِرِ قَوْلِهِ :﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِ الْكَلاَمِ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ الْوَصْفُ بِهِ، فَمُرَادً بِهِ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ ؛ وَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلِيَخْتَبِرَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَهْلَ طَاعَتِهِ الَّذِي فِي صُدُورِكُمْ مِنَ الشَّكِّ وَالْمَرَضِ، فَيَعْرِفُوكُمْ مِنْ أَهْلِ الإِخْلاَصِ وَالْيَقِينِ.