وَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ صَدُّوا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رُفِعَ عَنْهُمْ وَعِيدُ اللَّهِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ :﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ : فِي الدُّنْيَا، وَأُخِّرَتْ عُقُوبَتُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الإِيمَانِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. وَإِنَّ الْوَعِيدَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَقَامِ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا آمَنَ بَعْضُهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، وَأُخِّرَتْ عُقُوبَةُ الْمُقِيمِينَ عَلَى التَّكْذِيبِ إِلَى الآخِرَةِ، فَقَالَ لَهُمْ : كَفَاكُمْ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا.
وَيَعْنِي قَوْلُهُ :﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ وَحَسْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّي وَرَسُولِي بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا، يَعْنِي : بِنَارِ جَهَنَّمَ تُسَعَّرُ عَلَيْكُمْ : أَيْ تُوقَدُ عَلَيْكُمْ.
وَقِيلَ :﴿سَعِيرًا﴾ أَصْلُهُ مَسْعُورًا، مِنْ سُعِّرَتْ تُسَعَّرُ فَهِيَ مَسْعُورَةٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ :﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ وَلَكِنَّهَا صُرِفَتْ إِلَى فَعِيلٍ، كَمَا قِيلَ : كَفٌّ خَضِيبٌ وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ، بِمَعْنَى مَخْضُوبَةٌ وَمَدْهُونَةٌ.
وَالسَّعِيرُ : الْوَقُودُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.


الصفحة التالية
Icon