وَأَوْلَى التَّأْوِيلاَتِ بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ :﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ :﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ تَرْجَمَةٌ وَبَيَانٌ عَنْ قَوْلِهِ :﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الأَجْرَ إِنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْجَزَاءُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَتِ الدَّرَجَاتُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ تَرْجَمَةً عَنْهُ، كَانَ مَعْلُومًا أَنْ لا وَجْهَ لِقَوْلٍ مِنْ وَجْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ :﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ إِلَى الأَعْمَالِ وَزِيَادَتِهَا عَلَى أَعْمَالِ الْقَاعِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ أوَابْنُ زَيْدٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الصَّحِيحُ مِنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا، فَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلاَمِ : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ. أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَزِيلاً، وَهُوَ دَرَجَاتٌ أَعْطَاهُمُوهَا فِي الآخِرَةِ مِنْ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ، رَفَعَهُمْ بِهَا عَلَى الْقَاعِدِينَ بِمَا أَبْلَوْا فِي ذَاتِ اللَّهِ. ﴿وَمَغْفِرَةً﴾ يَقُولُ : وَصَفَحَ لَهُمْ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَلَيْهَا. ﴿وَرَحْمَةً﴾ يَقُولُ : وَرَأْفَةً بِهِمْ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَقُولُ : وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ غَفُورًا لِذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَصْفَحُ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا ﴿رَحِيمًا﴾ بِهِمْ، يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَهِ، مَعَ خِلاَفِهِمْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَرُكُوبِهِمْ مَعَاصِيَهُ.