الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ :﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ وَإِذَا سِرْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي الأَرْضِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ يَقُولُ : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ حَرَجٌ وَلاَ إِثْمٌ ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ يَعْنِي أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ عَدَدِهَا، فَتُصَلُّوا مَا كَانَ عَدَدُهُ مِنْهَا فِي الْحَضَرِ وَأَنْتُمْ مُقِيمُونَ أَرْبَعًا، اثْنَتَيْنِ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ.
وقِيلَ : مَعْنَاهُ : لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِلَتى عَدَدِهَا فِي حَالِ ضَرْبِكُمْ فِي الأَرْضِ، أَثنتانَ إِلَى وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِ آخَرِينَ.
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ حُدُودِ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. يَعْنِي : إِنْ خَشِيتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي صَلاَتِكُمْ وَفِتْنَتُهُمْ إِيَّاهُمْ فِيهَا حَمَلَهُمْ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِيهَا سَاجِدُونَ، حَتَّى يَقْتُلُوهُمْ أَوْ يَأْسِرُوهُمْ، فَيَمْنَعُوهُمْ مِنْ إِقَامَتِهَا وَأَدَائِهَا، وَيَحُولُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِبَادَةِ اللَّهِ وَإِخْلاَصِ التَّوْحِيدِ لَهُ. ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا عَلَيْهِ أَهْلُ الْكُفْرِ َفَقَالَ لهم: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ يَعْنِي : الْجَاحِدُونَ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾، يَقُولُ : عَدُوًّا قَدْ أَبَانُوا لَكُمْ عَدَاوَتَهُمْ، بِمُنَاصَبَتِهِمْ لَكُمُ الْحَرْبَ عَلَى إِيمَانِكُمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَتَرْكِكُمْ عِبَادَةَ مَا يَعْبُدُونََ مِنَ الأَوْثَانِ وِالأَصْنَامِ، وَمُخَالَفَتِكُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ. @