قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِتَأْوِيلِ الآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِالْقَصْرِ فِيهَا الْقَصْرَ مِنْ حُدُودِهَا، وَذَلِكَ تَرْكُ إِتْمَامِ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَإِبَاحَةُ أَدَائِهَا كَيْفَ أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِيهَا وَمُسْتَدِبْرَهَا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَذَلِكَ فِي حَالِ السَلَةِ وَالْمُسَايَفَةِ وَالْتِحَامِ الْحَرْبِ وَتَزَاحُفِ الصُّفُوفِ، وَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ وَأَذِنَ بِالصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ فِيهَا رَاكِبًا إِيمَاءً بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلاَتِ بِقَوْلِهِ :﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِدَلاَلَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى :﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ إِقَامَتَهَا إِتْمَامُ حُدُودِهَا مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ فُرُوضِهَا دُونَ الزِّيَادَةِ فِي عَدَدِهَا الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً فِي حَالِ الْخَوْفِ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِإِتْمَامِ عَدَدِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي حَالِ الأَمْنِ بَعْدَ زَوَالِ الْخَوْفِ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسَافِرُ فِي حَالِ قَصْرِهِ صَلاَتَهُ عَنْ صَلاةِ الْمُقِيمِ غَيْرَ مُقِيمٍ صَلاتَهُ لِنَقْصِ عَدَدِ صَلاَتِهِ مِنَ الأَرْبَعِ اللاَّزِمَةِ كَانَتْ لَهُ فِي حَالِ إِقَامَتِهِ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الأُمَّةُ مُجْمِعَةً مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ لاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ : إِذَا أَتَى بِصَلاَتِهِ بِكَمَالِ حُدُودِهَا الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ فِيهَا، وَقَصَّرَ عَدَدَهَا عَنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ غَيْرُ مُقِيمٍ صَلاَتَهُ. @


الصفحة التالية
Icon