ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ :﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : فَإِذَا صَلُّوا فَفَرَغُوا مِنْ صَلاَتِهِمْ فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا صَلَّتْ هَذِهِ الطَائِفَةُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَةً، سَلَّمَتْ وَانْصَرَفَتْ مِنْ صَلاَتِهَا حَتَّى تَأْتِيَ مَقَامَ أَصْحَابِهَا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهَا، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا : عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ :﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ أَنْ تَجْعَلُوهَا إِذَا خِفْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَفْتِنُوكُمْ رَكْعَةً. ورَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى بطَائِفَةٍ صَلاَةَ الْخَوْفِ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا، وَبِطَائِفَةٍ أُخْرَى رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ عَنِ اسْتِيعَابِ ذِكْرِ جَمِيعِ مَا فِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلِ الْوَاجِبُ كَانَ عَلَى هَذِهِ الطَائِفَةِ الَّتِي أَمَرَهَا اللَّهُ بِالْقِيَامِ مَعَ نَبِيِّهَا إِذَا أَرَادَ إِقَامَةَ الصَّلاَةِ بِهِمْ فِي حَالِ خَوْفِ الْعَدُوِّ إِذَا فَرَغَتْ مِنْ رَكْعَتِهَا الَّتِي أَمَرَهَا اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا أَمَرَهَا بِهِ فِي كِتَابِهِ أَنْ تَقُومَ فِي مُقَامُهَا الَّذِي صَلَّتْ فِيهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتُصَلِّي لِأَنْفُسِهَا بَقِيَّةَ صَلاتِهَا وَتُسَلِّمَ، وَتَأْتِيَ مَصَافَّ أَصْحَابِهَا وَكَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَثْبُتَ قَائِمًا فِي مَقَامِهِ حَتَّى تَفْرُغَ الطَائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الأُولَى مِنْ بَقِيَّةِ صَلاَتِهَا، إِذَا كَانَتْ صَلاَتُهَا الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ مِمَّا يَجُوزُ قَصْرُ عَدَدِهَا عَنِ الْوَاجِبِ الَّذِي عَلَى الْمُقِيمِينَ فِي أَمْنٍ، وَتَذْهَبُ إِلَى مَصَافِّ أَصْحَابِهَا، وَتَأْتِي الطَائِفَةُ الأُخْرَى الَّتِي كَانَتْ مُصَافَّةً عَدُوِّهَا، فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً أُخْرَى مِنْ صَلاَتِهَا.


الصفحة التالية
Icon