فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا التَّأْوِيلِ لَمْ يَكْتُمْ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا أَحَدًا مَا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِكِتْمَانِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِمَّا رَأَوْا وَعَايَنُوا مِنْ عِظَمِ أَجْسَامِ الْجَبَابِرَةِ وَشِدَّةِ بَطْشِهِمْ وَعَجِيبِ أُمُورِهِمْ، بَلْ أَفْشَوْا ذَلِكَ كُلَّهُ. وَإِنَّمَا الْقَائِلُ لِلْقَوْمِ وَلِمُوسَى : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، رَجُلاَنِ مِنْ أَوْلاَدِ الَّذِينَ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَخَافُونَهُمْ وَيَرْهَبُونَ الدُّخُولَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، كَانَ أَسْلَمَا وَتَبِعَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ لِإِجْمَاعِ قُرَّاءِ الأَمْصَارِ عَلَيْهَا، وَأَنَّ مَا اسْتَفَاضَتْ بِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْهُمْ فَحُجَّةٌ لا يَجُوزُ خِلاَفُهَا، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ الْوَاحِدُ فَجَائِزٌ فِيهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ. ثُمَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ فِي تَأْوِيلِهَا عَلَى أَنَّهُمَا رَجُلاَنِ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنَّهُمَا يُوشَعُ وَكِالبٌ، مَا أَغْنَى عَنِ الاِسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّةِ الْقِرَاءَةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ فِي ذَلِكَ وَفَسَادِ غَيْرِهِ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجْمَاعِهَا عَلَيْهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ فِي طَاعَةِ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَانْتِهَائِهِمْ إِلَى أَمْرِهِ، وَالاِنْزِجَارِ عَمَّا زَجَرَهُمَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ إِفْشَاءِ مَا عَايَنَا مِنْ عَجِيبِ أَمْرِ الْجَبَّارِينَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي حَذَّرَ عَنْهُ أَصْحَابَهُمَا الآخَرِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمَا مِنَ النُّقَبَاءِ.
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بِالْخَوْفِ.