وَكَأَنَّ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ قَوْلِهِ :﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَيْ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِ قَتْلِي، فَحَذَفَ الْقَتْلَ وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الإِثْمِ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِخَطِيئَتِي فَتَتَحَمَّلَ وِزْرَهَا وَإِثْمَكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ.
وَهَذَا قَوْلٌ وَجَدْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا، لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :.
١١٧٩٣- حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ :﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ، بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يَقُولُ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي وَدَمِي، فَتَبُوءَ بِهِمَا جَمِيعًا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ تَأْوِيلَهُ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَنْصَرِفَ بِخَطِيئَتِكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّايَ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ :﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ وَأَمَّا مَعْنَى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ فَهُوَ إِثْمُهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ، وَذَلِكَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَعْمَالٍ سِوَاهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ فَجَزَاءُ عَمَلِهِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حُكْمُهُ فِي خَلْقِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ آثَامُ الْمَقْتُولِ مَأْخُوذًا بِهَا الْقَاتِلُ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْقَاتِلُ بِإِثْمِهِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَسَائِرِ آثَامِ مَعَاصِيهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بِنَفْسِهِ دُونَ مَا رَكِبَهُ قَتِيلُهُ. @