وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ : فَأَصْبَحَ الْقَاتِلُ أَخَاهُ مِنِ ابْنَيْ آدَمَ مِنْ حِزْبِ الْخَاسِرِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ بَاعُوا آخِرَتَهُمْ بِدُنْيَاهُمْ بِإِيثَارِهِمْ إِيَّاهَا عَلَيْهَا فَوُكِسُوا فِي بَيْعِهِمْ وَغُبِنُوا فِيهِ، وَخَابُوا فِي صِفْقَتِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثَ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِي سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَيْضًا أَحَدُ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي أَمْرِ ابْنَيْ آدَمَ بِخِلاَفِ مَا رَوَاهُ عَمْرٌو عَنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ لَوْ كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَجْهَلِ الْقَاتِلُ دَفْنَ أَخِيهِ وَمُوَارَاةَ سَوْأَةِ أَخِيهِ، وَلَكِنَّهُمَا كَانَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ لِصُلْبِهِ. وَلَمْ يَكُنِ الْقَاتِلُ مِنْهُمَا أَخَاهُ عَلِمَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عَادَةِ الْمَوْتَى، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ حِينًا حَتَّى أَرَاحَتْ جِيفَتُهُ، فَأَحَبَّ اللَّهُ تَعْرِيفَهُ السُّنَّةَ فِي مَوْتَى خَلْقِهِ، فَقَيَّضَ لَهُ الْغُرَابَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ صِفَتَهُمَا فِي كِتَابِهِ.
ذِكْرُ الأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ :.
١١٨٠٩- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي رَوْقٍ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : مَكَثَ يَحْمِلُ أَخَاهُ فِي جِرَابٍ عَلَى رَقَبَتِهِ سَنَةً، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ الْغُرَابَيْنِ، فَرَآهُمَا يَبْحَثَانِ، فَقَالَ : أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ ؟ فَدَفَنَ أَخَاهُ.