وَإِنَّمَا الْفِتْنَةُ : الاِخْتِبَارُ وَالاِبْتِلاَءُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْجَوَابُ مِنَ الْقَوْمِ غَيْرَ وَاقِعٍ هُنَالِكَ إِلاَّ عِنْدَ الاِخْتِبَارِ، وُضِعَتِ الْفِتْنَةُ الَّتِي هِيَ الاِخْتِبَارُ مَوْضِعَ الْخَبَرِ عَنْ جَوَابِهِمْ وَمَعْذِرَتِهِمْ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ أَيْضًا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ :﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ :﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ خَفْضًا عَلَى أَنَّ (الرَّبَّ) نَعْتٌ لِلَّهِ. وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ :(وَاللَّهِ رَبَّنَا) بِالنَّصْبِ بِمَعْنَى : وَاللَّهِ يَا رَبَّنَا، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ :(وَاللَّهِ رَبَّنَا) بِنَصْبِ الرَّبِّ، بِمَعْنَى : يَا رَبَّنَا، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا جَوَابٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ الْمَقُولِ لَهُمْ :﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وَكَانَ مِنْ جَوَابِ الْقَوْمِ لِرَبِّهِمْ : وَاللَّهِ يَا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فَنَفَوْا أَنْ يَكُونُوا قَالُوا ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ :﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ : مَا كُنَّا نَدْعُو لَكَ شَرِيكًا وَلاَ نَدْعُو سِوَاكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ فَاعْلَمْ كَيْفَ كَذَبَ هَؤُلاَءِ الْمُشْرِكُونَ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمُ الأَوْثَانَ وَالأَصْنَامَ فِي الآخِرَةِ، عِنْدَ لِقَاءِ اللَّهِ، عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِقِيلِهِمْ : وَاللَّهِ يَا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، وَاسْتَعْمَلُوا هُنَالِكَ الأَخْلاَقَ الَّتِي كَانُوا بِهَا مُتَخَلِّقِينَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْكَذِبِ وَالْفِرْيَةِ.