وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فَإِنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى : ثُمَّ إِلَى اللَّهِ يَرْجِعُونَ، الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، وَالْكُفَّارُ الَّذِينَ يَحُولُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَفْقَهُوا عَنْكَ شَيْئًا، فَيُثِيبُ هَذَا الْمُؤْمِنَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا بِمَا وَعَدَ أَهْلَ الإِيمَانِ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَيُعَاقِبُ هَذَا الْكَافِرَ بِمَا أَوْعَدَ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ مِنَ الْعِقَابِ، لاَ يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَ هَؤُلاَءِ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمُ الْمُعْرِضُونَ عَنْ آيَاتِهِ :﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يَقُولُ : قَالُوا : هَلاَّ نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
| تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ | بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلاَ الْكَمِيَّ الْمُقَنَّعَا |
وَالآيَةُ : الْعَلاَمَةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا :﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ لِقَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَكَ :﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، يَعْنِي : حُجَّةً عَلَى مَا يُرِيدُونَ وَيَسْأَلُونَ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ فَيَسْأَلُونَكَ آيَةً، لاَ يَعْلَمُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي الآيَةِ إِنْ نَزَّلَهَا مِنَ الْبَلاَءِ، وَلاَ يَدْرُونَ مَا وَجْهُ تَرْكِ إِنْزَالِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وَلَوْ عَلِمُوا السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَمْ أُنْزِلْهَا عَلَيْكَ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَسْأَلُوكَهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.