فَكَانَ مَعْنَى الْكَلاَمِ : وَعِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِمَّا لاَ تَعْلَمُونَهُ وَلَنْ تَعْلَمُوهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ نَفْسَهُ، وَيَعْلَمُ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا يَعْلَمُهُ جَمِيعُكُمْ، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لاَ شَيْءَ إِلاَّ مَا يَخْفَى عَنِ النَّاسِ أَوْ مَا لاَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ وَيَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، وَذَلِكَ هُوَ الْغَيْبُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلاَ تَسْقُطُ وَرَقَةٌ فِي الصَّحَارِي وَالْبَرَارِي وَلاَ فِي الأَمْصَارِ وَالْقُرَى إِلاَّ اللَّهُ يَعْلَمُهَا. ﴿وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يَقُولُ : وَلاَ شَيْءَ أَيْضًا مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ مِمَّا سَيُوجَدُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، إِلاَّ وَهُوَ مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، مَكْتُوبٌ ذَلِكَ فِيهِ وَمَرْسُومٌ عَدَدُهُ وَمَبْلَغُهُ وَالْوَقْتُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ وَالْحَالُ الَّتِي يَفْنَى فِيهَا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿مُبِينٍ﴾ أَنَّهُ يُبِينُ عَنْ صِحَّةِ مَا هُوَ فِيهِ بِوُجُودِ مَا رُسِمَ فِيهِ عَلَى مَا رُسِمَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ إِثْبَاتِهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ مَا لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ، وَهُوَ بِجَمِيعِهِ عَالِمٌ لاَ يُخَافُ نِسْيَانُهُ ؟@