وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِكَلاَمِهِ وَقَوْلِهِ لَهُمَا :﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾. قَالُوا : فَالْحَقُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنِيُّ بِهِ كَلاَمُهُ. وَاسْتَشْهَدُوا لِقِيلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ :﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾، الْحَقُّ هُوَ قَوْلُهُ وَكَلاَمُهُ. قَالُوا : وَاللَّهُ خَلَقَ الأَشْيَاءَ بِكَلاَمِهِ وَقِيلِهِ كَمَا خَلَقَ بِهِ الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَخْلُوقَةِ. قَالُوا : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلاَمُ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ بِهِ الْخَلْقَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِلِ فِي ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ :(الْيَوْمُ) مُضَافٌ إِلَى (يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ)، قَالَ : وَهُوَ نَصْبٌ وَلَيْسَ لَهُ خَبَرٌ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ، كَأَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ نَصْبَهُ عَلَى :(وَاذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونَ)، قَالَ : وَكَذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾، قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ، لِلصُّورِ خَاصَّةً.
فَمَعْنَى الْكَلاَمِ عَلَى تَأْوِيلِهِمْ : يَوْمَ يَقُولُ لِلصُّورِ : كُنْ فَيَكُونَ، قَوْلُهُ الْحَقُّ يَوْمَ يُنْفَخُ فِيهِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَيَكُونُ (الْقَوْلُ) حِينَئِذٍ مَرْفُوعًا بِـ (الْحَقِّ)، وَالْحَقُّ بِالْقَوْلِ. وَقَوْلُهُ :﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ صِلَةُ (الْحَقِّ).