ثُمَّ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ وَالْفَنَاءِ إِلَى الْوُجُودِ، ثُمَّ فِي مُجَازَاتِهِمْ بِمَا يُجَازِيهِمْ بِهِ مِنْ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ، خَبِيرٌ بِكُلِّ مَا يَعْمَلُونَهُ وَيَكْسِبُونَهُ مِنْ حَسَنٍ وَسَيِّئٍ، حَافِظٌ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَاحْذَرُوا أَيُّهَا الْعَادِلُونَ بِرَبِّكُمْ عِقَابَهُ، فَإِنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ مَا تَأْتُونَ وَتَذَرُونَ، وَهُوَ لَكُمْ مِنْ وَرَاءِ الْجَزَاءِ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِحِجَاجِكَ الَّذِي تُحَاجُّ بِهِ قَوْمَكَ وَخُصُومَتِكَ إِيَّاهُمْ فِي آلِهَتِهِمْ وَمَا تُرَاجِعُهُمْ فِيهَا، مِمَّا نُلْقِيهِ إِلَيْكَ وَنُعَلِّمُكَهُ مِنَ الْبُرْهَانِ وَالدَّلاَلَةِ عَلَى بُطْلاَنِ مَا عَلَيْهِ قَوْمُكَ مُقِيمُونَ، وَصِحَّةِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مُقِيمٌ مِنَ الدِّينِ وَحَقِّيَّةِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ مُحْتَجٌّ، حِجَاجَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي قَوْمَهُ، وَمُرَاجَعَتَهُ إِيَّاهُمْ فِي بَاطِلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَانْقِطَاعَهُ إِلَى اللَّهِ وَالرِّضَا بِهِ وَالِيًا وَنَاصِرًا دُونَ الأَصْنَامِ، فَاتَّخِذَهُ إِمَامًا وَاقْتَدِ بِهِ، وَاجْعَلْ سِيرَتَهُ فِي قَوْمِكَ لِنَفْسِكَ مِثَالاً، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ مُفَارِقًا لِدِينِهِ وَعَائِبًا عِبَادَتَهُ الأَصْنَامَ دُونَ بَارِئِهِ وَخَالِقِهِ : يَا آزَرُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَعْنِيِّ بِآزَرَ، وَمَا هُوَ ؟ اسْمٌ أَمْ صِفَةٌ ؟ وَإِنْ كَانَ اسْمًا، فَمَنِ الْمُسَمَّى بِهِ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ اسْمُ أَبِيهِ.