وَأَوْلَى الأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَنَّهُ أَرَاهُ مُلْكَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَذَلِكَ مَا خَلَقَ فِيهِمَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالشَّجَرِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِهِ فِيهِمَا، وَجَلَّى لَهُ بَوَاطِنَ الأُمُورِ وَظَوَاهِرَهَا، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ مَعْنَى الْمَلَكُوتِ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُ أَرَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لِيَكُونَ مِمَّنْ يَتَوَحَّدُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَيَعْلَمُ حَقِّيَّةَ مَا هَدَاهُ لَهُ وَبَصَّرَهُ إِيَّاهُ مِنْ مَعْرِفَةِ وَحْدَانِيَّتِهِ وَمَا عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الضَّلاَلَةِ مِنْ عِبَادَتِهِمْ وَاتِّخَاذِهِمْ آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا :
١٣٥١٥- حَدَّثَنِي بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ :﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أَنَّهُ جَلَّى لَهُ الأَمْرَ سِرَّهُ وَعَلاَنِيَتَهُ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْخَلاَئِقِ، فَلَمَّا جَعَلَ يَلْعَنُ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ قَالَ اللَّهُ : إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هَذَا، فَرَدَّهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : أَرَيْنَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لِيَكُونَ مِمَّنْ يُوقِنُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ حِسًّا لاَ خَبَرًا.


الصفحة التالية
Icon