١٣٦٠٥- كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ قَالَ : اللَّهُ أَنْزَلَهُ.
وَلَوْ قِيلَ : مَعْنَاهُ :(قُلْ هُوَ اللَّهُ) عَلَى وَجْهِ الأَمْرِ مِنَ اللَّهِ لَهُ بِالْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ لاَ عَلَى وَجْهِ الْجَوَابِ إِذْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ :﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ مَسْأَلَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ :﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جَوَابًا لَهُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ، فَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِمُحَمَّدٍ بِمَسْأَلَةِ الْقَوْمِ : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ تَأْوِيلِهِ كَانَ جَائِزًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ، وَلاَ يَكُونُ لِلاِسْتِفْهَامِ جَوَابٌ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ فَإِنَّهُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ ذَرْ هَؤُلاَءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الأَوْثَانَ وَالأَصْنَامَ بَعْدَ احْتِجَاجِكَ عَلَيْهِمْ فِي قِيلِهِمْ :﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ بِقَوْلِكَ ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾، وَإِجَابَتِكَ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ كِتَابَهُ ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ يَعْنِي : فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنْ بَاطِلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ، يَقُولُ : يَسْتَهْزِئُونَ وَيَسْخَرُونَ.
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ وَعِيدٌ لِهَؤُلاَءِ الْمُشْرِكِينَ وَتَهْدِيدٌ لَهُمْ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ دَعْهُمْ لاَعِبِينَ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنِّي مِنْ وَرَاءِ مَا هُمْ فِيهِ مِنِ اسْتِهْزَائِهِمْ بِآيَاتِي بِالْمِرْصَادِ وَأُذِيقُهُمْ بَأْسِي، وَأُحِلُّ بِهِمْ إِنْ تَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ سَخَطِي.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.