وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ :﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ :﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ بِمَعْنَى : فَمِنْهُمْ مِنِ اسْتَقَرَّهُ اللَّهُ فِي مَقَرِّهِ فَهُوَ مُسْتَقَرٌّ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيمَا اسْتَوْدَعَهُ فِيهِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ :(فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ الْقَافِ، بِمَعْنَى : فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَقَرَّ فَهُوَ مُسْتَوْدَعٌ فِيهِ، فِي مَقَرِّهِ فَهُوَ مُسْتَقِرٌّ بِهِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي وَإِنْ كَانَ لِكِلَيْهِمَا عِنْدِي وَجْهٌ صَحِيحٌ :﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بِمَعْنَى : اسْتَقَرَّهُ اللَّهُ فِي مُسْتَقَرِّهِ، لِيَأْتَلِفَ الْمَعْنَى فِيهِ وَفِي (الْمُسْتَوْدَعِ)، فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي إِضَافَةِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ فِي أَنَّهُ الْمُسْتَقِرُّ هَذَا وَالْمُسْتَوْدِعُ هَذَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ مُجْمِعُونَ عَلَى قِرَاءَةِ قَوْلِهِ :﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَإِجْرَاءُ الأَوَّلِ، أَعِنِّي قَوْلَهُ :﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ عَلَيْهِ أَشْبَهُ مِنْ عُدُولِهِ عَنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾، يَقُولُ تَعَالَى : قَدْ بَيَّنَّا الْحُجَجَ، وَمَيَّزْنَا الأَدِلَّةَ وَالأَعْلاَمَ وَأَحْكَمْنَاهَا لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ مَوَاقِعَ الْحُجَجِ وَمَوَاضِعَ الْعِبَرِ، وَيَفْهَمُونَ الآيَاتِ وَالذِّكْرَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا اعْتَبَرُوا بِمَا نَبَّهْتُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِنْشَائِي مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مَا عَايَنُوا مِنَ الْبَشَرِ، وَخَلْقِي مَا خَلَقْتُ مِنْهَا مِنْ عَجَائِبِ الأَلْوَانِ وَالصُّوَرِ، عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ وَلاَ شَرِيكٌ فَيُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ.