الوجه الثاني عشر: أن رسول الله ﷺ حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر، والأنصار ما رأوا مع رسول الله ﷺ أحداً إلا أبا بكر، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر والحضر، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا: لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر، فلو قدرنا أنه توفى رسول الله ﷺ في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي بكر. أهـ (١)
وأقول : لا يحتاج أبو بكر رضي الله عنه منا إلى ثناءٍ عليه بعد ما ذكره الله تعالى في هذه الآية المباركة، وأيضًا قد نزل فيه قول الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُو؟اْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُو؟اْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ﴿النور: ٢٢﴾ وذلك لما كان مسطح بن أثاثة-ابن خالة الصديق- ممن خاض في حادثة الإفك، وكان فقيرًا وينفق عليه أبو بكر، فلما نزلت براءة أم المؤمنين عائشة من السماء في سورة النور أقسم أبو بكر الصديق ألا ينفق عليه، بسبب أنه خاض مع من خاض، فأنزل الله تعالى هذه الآية المباركة، التي وصف أبا بكر فيها بأنه من أولي الفضل والسعة، وحثه على أن يعود بالصدقة على مسطح، فعند ذلك قال الصديق: بلى، والله إنا نحب- يا ربنا - أن تغفر لنا، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً (٢).
(٢) - أنظر تفسير القرطبي (١٢/١٧٢) و تفسير السعدي(تيسير الكريم الرحمن) ص: ٥٦١