القول الرابع عشر: أنها سيقت مساق التهجي مسرودة على نمط التعديد في التهجية؛ تبكيتاً للمشركين، وإيقاظاً لنظرهم في أن هذا الكتاب المتلو عليهم _وقد تُحدوا بالإتيان بسورة مثله_ هو كلام مؤلف من عين حروف كلامهم كأنه يغريهم بمحاولة المعارضة، ويستأنس لأنفسهم بالشروع في ذلك بتهجي الحروف، ومعالجة النطق؛ تعريضاً بهم بمعاملتهم معاملة مَنْ لم يعرف تقاطيع اللغة؛ فيلقنها كتهجي الصبيان في أول تعلمهم بالكُتَّاب؛ حتى يكون عجزهم عن المعارضة بعد هذه المحاولة عجزاً لا معذرة لهم فيه.
وقد ذهب إلى هذا القول المبرد، وقطرب، والفراء.
قال في الكشاف: =وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزلة+.
وقلت: وهو الذي نختاره وتظهر المناسبة لوقوعها في فواتح السور: أن كل سورة مقصودة بالإعجاز؛ لأن الله _تعالى_ يقول: [فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ] فناسب افتتاح ما به الإعجاز بالتمهيد؛ لمحاولته ويؤيد هذا القول أن التهجي ظاهر في هذا المقصد؛ فلذلك لم يسألوا عنه لظهور أمره، وأن التهجي معروف عندهم للتعليم، فإذا ذكرت حروف الهجاء على تلك الكيفية المعهودة في التعليم في مقام غير صالح للتعليم عرف السامعون أنهم عوملوا معاملة المتعلم؛ لأن حالهم كحاله في العجز عن الإتيان بكلام بليغ.
ويعضد هذا الوجه تعقيب هاته الحروف في غالب المواقع بذكر القرآن، وتنزيله، أو كتابيته إلا في كهيعص، وآلم أحسب الناس، وآلم غلبت الروم.
وقد حمل عليه ابن عطية حملة غير منصفة، وألزمه إلزاماً فاحشاً ينزه عنه علمه ودينه؛ فرحمة الله عليهما. ٢٢/٤٥
١٠_ ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يثبت نبوةً لأحد بعد محمد" وفي إخراجه من حظيرة الإسلام، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابية(١) والبهائية(٢) وهما نحلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى.
وكان ظهور الفرقة الأولى في بلاد فارس في حدود ستة مائتين وألف(٣) وتسربت إلى العراق، وكان القائم بها رجلاً من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد علي محمد كذا اشتهر اسمه، كان في أول أمره من غلاة الشيعة الإمامية أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي الذي كان ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية وهي الطريقة المتلقاة عن الحلاج، وكانت طريقته تعرف بالشيخية، ولما اظهر نحلته علي محمد هذا لقب نفسه باب العلم؛ فغلب عليه اسم الباب، وعرفت نحلته بالبابية، وادعى لنفسه النبوءة وزعم أنه أوحي إليه بكتاب اسمه (البيان) وأن القرآن أشار إليه بقوله _تعالى_: [خَلَقَ الإِنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ].
وكتاب البيان مؤلف بالعربية الضعيفة، ومخلوط بالفارسية وقد حكم عليه بالقتل سنة ١٢٦٦ في تبريز.

(١) _ هي فرقه ضالة، ونحلة كافرة، انبثقت من الشيعة الاثني عشرية، وظهرت في القرن الثالث عشر الهجري في إيران، على يد رجل شيعي، يدعى الميرزا علي محمد الشيرازي، الذي ظهر بفكرة الباب إلى المهدي المنتظر. (م)
(٢) _ البهائية هي: فرقة باطنية كافرة ظهرت في إيران في القرن الثالث عشر الهجري على يد حسين علي المازندراني الملقب بالبهاء.
والبهائية هي البابية السابقة؛ ولكنها انتقلت إلى مرحلة جديدة بعد مقتل الباب زعيم البابية؛ فالبهائية قامت على أنقاض البابية. (م)
(٣) _ هكذا في الأصل، ولعل الصواب: ستة وستين ومائتين وألف. (م)


الصفحة التالية
Icon