ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحدياً إجمالياً بحروف التَّهَجِّي المفتتح بها رمزاً يقتضي استشرافَهم لِما يَرِدُ بَعْدَه، وانتظارَهم لبيان مَقْصِدِه؛ فَأَعْقَبَ بالتنويه بشأن القرآن؛ فَتَحَوُّلُ الرمزِ إيماءً إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشدُّ وقعاً على نفوسهم؛ فَتَبْقَى في انتظار ما يَتَعَقَّبُه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله: [وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ] الآيات.
فعدَل بهم إلى ذاتِ جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه، وتخلَّص إلى تصنيف الناس تجاهَ تلَقِّيهم هذا الكتاب، وانتفاعهم بهديه أصنافاً أربعة، وكانوا قبل الهجرة صنفين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي.
وإذ قد كان أخصُّ الأصناف انتفاعاً بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة؛ يعني المسلمين _ ابتُدئ بذكرهم.
ولمَّا كان أشدَّ الأصناف عناداً وحقداً صِنْفا المشركين الصرحاء، والمنافقين _ لُفَّ الفريقان لَفَّاً واحداً؛ فَقُورعوا بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة.
ثم خصَّ بالإطناب صِنْفَ أهلِ النفاق؛ تشويهاً لنفاقهم، وإعلاناً لدخائلهم، ورد مطاعنهم.
ثم كان خاتمةُ ما قُرِعَتْ به أنوفُهم صريحَ التحدي الذي رمز إليه بدءاً تحدياً يلجئهم إلى الاستكانة، ويُخْرِسُ ألسنتَهم عن التطاول والإبانة، ويُلْقي في قرارات أنفسهم مذلةَ الهزيمة، وصدقَ الرسول الذي تحداهم؛ فكان ذلك من رد العجز على الصدر(١)
فالمكرران نحو: [وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ] والمتجانسان نحو: [اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً]. (م)
يا بني إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسم في وجوههم، وكن كريماً على زادك بينهم، فإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم، واستعمل طول الصمت وكثرة الصلاة، وسخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو زاد، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتى تَثَبَّت وتنظر، ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد، وتنام وتأكل، وتصلي، وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورته؛ فإنَّ مَنْ لم يمحضِ النصيحة من استشاره سلبه الله رأيه، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، فإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سناً، وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئاً فقل: نعم ولا تقل: لا؛ فإن لا عِيٌّ ولؤم، وإذا تحيرتم في الطريق فأنزلوا، وإذا شككتم في القصد فقفوا وتآمروا، وإذا رأيتم شخصاً واحداً فلا تسألوه عن طريقكم، ولا تسترشدوه؛ فإن الشخص الواحد في الفلاة مريب لعله يكون عين اللصوص، أو يكون هو الشيطانَ الذي حيركم.
واحذروا الشخصين _أيضاً_ إلا أن تروا ما لا أرى؛ لأن العاقل إذا أبصر بعينه شيئاً عرف الحق منه، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء، صلِّها واسترح منها؛ فإنها دَيْنٌ، وصل في جماعة ولو على رأس زج، وإذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لوناً، وألينها تربة، وأكثرها عشباً.
وإذا نزلت فصل ركعتين قبل أن تجلس، وإذا أردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب في الأرض، وإذا ارتحلت فصلِّ ركعتين ثم ودِّع الأرض التي حللت بها، وسلِّم على أهلها؛ فإن لكل بقعة أهلاً من الملائكة، وإن استطعت أن لا تأكل طعاماً حتى تبتدئ، فتتصدق منه فافعل.
وعليك بقراءة كتاب الله _لعله يعني الزبور_ ما دمت راكباً، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملاً عملاً، وعليك بالدعاء ما دمت خالياً، وإياك والسير في أول الليل إلى آخره، وإياك ورفعَ الصوتِ في مسيرك.