فَمَرَّ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنْ صَدَقُوَكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمْ، وَإِنْ كَذَبُوكُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ ؟، ثُمَّ دَعَا وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ : مَنْ يُطْعِمُ الْقَوْمَ ؟، فَقَالَ : فُلانٌ وَفُلانٌ فَعَدَّدَ رِجَالا يُطْعِمُهُمْ كُلُّ رَجُلٍ يَوْمًا، قَالَ : فَكَمْ يَنْحَرُ لَهُمْ ؟ فَقَالَ : عَشَرَةً مِنَ الْجُزُرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْجَزُورُ بِمِائَةٍ، وَهُمْ مَا بَيْنَ الأَلْفِ، وَالتِّسْعِمِائَةٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُشْرِكُونَ صَافُّوهُمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِ اسْتَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي قِتَالِهِمْ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ يُشِيرُ عَلَيْهِ، فَأَجْلَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ، فَقَامَ عُمَرُ يُشِيرُ عَلَيْهِ، فَأَجْلَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُعَرِّضُ بِنَا مُنْذُ الْيَوْمِ لِتَعْلَمَ مَا فِي نُفُوسِنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ ضَرَبْتَ أَكْبَادَهَا حَتَّى تَبْلُغَ بَرْكَ الْغِمَادِ مِنْ ذِي يَمَنٍ لَكِنَّا مَعَكَ، فَوَطَّنَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الصَّبْرِ، وَالْقِتَالِ وَسُرَّ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا الْتَقَوْا سَارَ فِي قُرَيْشٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ : أَيْ قَوْمُ أَطِيعُونِي الْيَوْمَ، وَلا تُقَاتِلُوا مُحَمَّدًا، وَأَصْحَابَهُ، فَإِنَّكُمْ إِنْ قَاتَلْتُمُوهُ لَمْ تَزَلْ بَيْنَكُمْ إِحْنَةٌ مَا بَقِيتُمْ، وَفَسَادٌ لا يَزَالُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ أَخِيهِ، وَقَاتِلِ ابْنِ عَمِّهِ، فَإِنْ يَكُ مَلِكًا أَكَلْتُمْ فِي مُلْكِ أَخِيكُمْ، وَإِنْ يَكُ نَبِيًّا فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا كَفَتْكُمُوهُ ذُؤَبَانُ الْعَرَبِ، فَأَبَوْا أَنْ يَسْمَعُوا مَقَالَتَهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُطِيعُوا، فَقَالَ : أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي كَأَنَّهَا الْمَصَابِيحُ، أَنْ تَجْعَلُوهَا أَنْدَادًا لِهَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي كَأَنَّهَا عُيُونُ الْحَيَّاتِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَقَدْ مَلأْتَ سِحْرَكَ رُعْبًا، ثُمَّ سَارَ فِي قُرَيْشٍ، فَقَالَ : إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ إِنَّمَا يُشِيرُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا لأَنَّ ابْنَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدٌ ابْنُ عَمِّهِ، فَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ، وَابْنَ عَمِّهِ، فَغَضِبَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ : أَيْ مُصَفِّرَ اسْتِهِ سَتَعْلَمُ أَيُّنَا أَجْبَنُ، وَأَلأَمُ وَأَقْتَلُ لِقَوْمِهِ الْيَوْمَ، ثُمَّ نَزَلَ وَنَزَلَ مَعَهُ أَخُوهُ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَابْنُهُ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، فَقَالُوا : أَبْرِزْ إِلَيْنَا أَكْفَاءَنَا، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ، فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَامَ عَلِيٌّ، وَحَمْزَةُ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاخْتَلَفَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَقَرِينُهُ ضَرْبَتَيْنِ، فَقَتَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ، وَأَعَانَ حَمْزَةُ عَلِيًّا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ، وَقُطِعَتْ رِجْلُ عُبَيْدَةَ فَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِهْجَعٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَصْرَهُ وَهَزَمَ عَدُوَّهُ، وَقُتِلَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَأُخْبِرَ بِقَتْلِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ : أَفَعَلْتُمْ ؟، فَقَالُوا : نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَسُّرَ بِذَلِكَ، وَقَالَ : إِنَّ عَهْدِي بِهِ وَفِي رُكْبَتَيْهِ حَوْرَاءُ، فَاذْهَبُوا فَانْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ ذَلِكَ فَنَظَرُوا فَرَأَوْهُ، وَأُسِرَ يَوْمَئِذٍ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقَتْلَى، فَجَرُّوا حَتَّى أُلْقَوْا فِي الْقَلِيبِ، ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ : أَيْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَيْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَجَعَلَ يُسَمِّيهِمْ رَجُلا رَجُلا، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَوَ يَسْمَعُونَ مَا تَقُولُ ؟


الصفحة التالية
Icon