ج ٤، ص : ٦
غليظ الرقبة يقاوم الرب) وقد روى أنهم لم يجرءوا على الإتيان بها، وفلجت حجة القرآن.
وفي هذا أكبر دليل على إثبات نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، إذ هو قد علم أن ما في التوراة يدل على كذبهم، وهو لم يقرأها ولا قرأ غيرها من كتب الأولين، فهذا العلم لم يكن إلا بوحي من اللّه.
(فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
أي فمن اخترع الكذب على اللّه وزعم أن التحريم كان على الأنبياء السابقين وأممهم قبل نزول التوراة - بعد أن ظهرت له الحجة بأن التحريم إنما كان بسبب ما ارتكب الشعب من الذنوب والخطايا، وبعد أن طولب المدعون بالإتيان بالتوراة وتلاوتها، فامتنعوا لئلا يظهر كذبهم، وأن اللّه لم يحرم شيئا قبل نزولها - فأولئك هم الظالمون لأنفسهم المستحقون لعذاب اللّه، لأنهم قد حولوا الحق عن وجهه، ووضعوا حكم اللّه فى غير موضعه، فضلوا وأضلوا أشياعهم بإصرارهم على الباطل، وعدم تصديقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
(قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) فيما أنبأنى به من أن سائر الأطعمة كانت حلالا لبنى إسرائيل، وأنها إنما حرمت على اليهود جزاء أفعالهم القبيحة، وبذا قامت عليكم الحجة، وثبت أنى مبلغ عنه، إذ ما كان في استطاعتي لولا الوحى أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون عن أنبيائكم.
(فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) أي وإذ قد استبان لكم أن ما يدعوكم إليه محمد صلى اللّه عليه وسلم هو من ملة إبراهيم، فعليكم أن تتبعوه في استباحة أكل لحوم الإبل وألبانها، وملته حنيفية سمحاء لا إفراط فيها ولا تفريط.
(وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الذين يدعون مع اللّه إلها آخر، أو يعبدون سواه، كما فعله العرب من عبادة الأوثان، وفعله اليهود من ادّعائهم أن عزيرا ابن اللّه، وفعله النصارى من اعتقادهم أن المسيح ابن اللّه.