ومن أنواع البيان: بيان الإجمال الواقع بسبب احتمال في مفسر الضمير، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيد﴾ ١.
قال -رحمه الله تعالى-: "فإن الضمير يحتمل أن يكون عائدًا إلى الإنسان، وأن يكون عائدًا إلى رب الإنسان المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ ١؛ ولكن النظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان، وإن كان هو الأول في اللفظ؛ بدليل قوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ١، فإنه للإنسان بلا نزاع وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم"٢.
ومن أنواع البيان: أن يذكر شيء في موضع ثم يقع سؤاله عنه في موضع آخر؛ كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ٣، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "لم يبين هنا ما العالَمون، وبيَّن ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ٤ الآية"٥.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ ٦، قال -رحمه الله تعالى-: "لم يبينه هنا وبينه في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٧ الآية"٨.
ومن أنواع البيان التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر أمر في موضع، ثم يذكر في موضع آخر شيء يتعلسق بذلك الأمر، كأن يذكر له سبب أو مفعول او ظرف مكان أو ظرف زمان أو متعلق.

١ سورة العاديات: الآيات ٦-٨.
٢ أضواء البيان: الشنقيطي ج١ ص٩، ١٠.
٣ سورة الفاتحة: الآية الأولى.
٤ سورة الشعراء: من الآيتين ٢٣، ٢٤.
٥ أضواء البيان: الشنقيطي ج١ ص٣٣.
٦ سورة الفاتحة: الآية ٤.
٧ سورة الانفطار: الآيات ١٧-١٩.
٨ أضواء البيان: الشنقيطي ج١ ص٣٤.

حسب العلة صغرها ولطافتها ودقة عظامها، ومحمد إسماعيل عللها بأن لكل بنان بصمة خاصة به من بين جميع البشر، وفي الأمر سَعَة لتعليل الكل، والله أعلم.
سادسًا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
قال الطبري -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ :"وهذا مَثَلٌ من الله تعالى ذكره، ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه -أي: إلى الإسلام- مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه، لأن ذلك ليس في وُسْعِه"٢.
وقال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وقال ابن المبارك عن ابن جريج: ضيقًا حرجًا بلا إله إلا الله، حتى لا تستطيع أن تدخل قلبه كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه، وقال سعيد بن جبير يجعل صدره ضيقًا حرجًا قال: لا يجد فيه مسلكًا إلا صَعِدَ، وقال السدي: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ من ضيق صدره، وقال عطاء الخراساني: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يُدخله الله في قلبه"٣.
ذلكم تفسير السلف، أما التفسير العلمي فيقدمه الأستاذ محمد عفيفي الشيخ فقال في ذلك: "الله سبحانه وتعالى يقرر أن الارتفاع إلى عِنَانِ السماء يصحبه ضيق الصدر والشعور بالاختناق، وقد اكتشف العلماء أخيرًا أن ذلك بسبب نقص الضغط الجوي وكميات الأكسيجين التي تستقبلها الرئتان، وهذه
١ سورة الأنعام: الآية ١٢٥.
٢ جامع البيان: الإمام الطبري ج١٢ ص١٠٩.
٣ تفسير ابن كثير: ج٢ ص١٨٩.


الصفحة التالية
Icon