ج ١١، ص : ٧٤٧
وتعالى بما لم يصرح به النبي، وإن كان حقا.. فالنبى ـ كإنسان طبع على الحياء ـ تمنعه إنسانية من أن يصارح الناس بما يسوءهم، ما دام ذلك لا يجور على حق من حقوق اللّه، وإن كان فيه جور على نفسه.. ولهذا فقد دافع اللّه عن النبي الكريم، وتولى سبحانه حمايته، ودفع هذا الأذى عنه..
وفي قوله تعالى :« وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً » ـ استبعاد من أن يقع من أحد من المؤمنين باللّه، أن يؤذى رسول اللّه بالنظر إلى نسائه، نظر اشتهاء.. فذلك ما لا يجتمع معه إيمان أبدا..
وإذن فهذا الذي يأمر به اللّه سبحانه وتعالى المؤمنين في قوله :« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ.. » ثم في قوله تعالى بعد ذلك :« وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ » هذا الأمر ليس اتهاما للمؤمنين في توقيرهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وفي اتخاذهم نساء النبي أمهات لهم، لا ينظر أحدهم إليهن نظرة رببة أو اشتهاء..
وإنما هذا الأمر هو من باب سد الذرائع، وقطع ألسنة السوء التي تصطاد المفتريات، وتنسج الأباطيل من الأوهام والظنون.. ولهذا جاء قوله تعالى تعقيبا على ذلك :« ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ » مشيرا إلى أن هذا الاحتياط في الحديث إلى نساء النبي من وراء حجاب، هو أطهر للقلوب الطاهرة، وأزكى للنفوس الكريمة الزكية..
وفي قوله تعالى :« وَاتَّقِينَ اللَّهَ » دعوة إلى نساء النبي بتقوى اللّه، بعد دعوتهن إلى ضرب الحجاب بينهن وبين غير من ذكرن من محارمهن..
إذ ليسب العبرة في العفة بضرب الحجاب، وإن كانت أمرا لازما لسد الذرائع، وإنما العبرة بما في القلب من تقوى اللّه، وخشيته، والعمل على مرضاته.