ج ٣، ص : ١١٣٧
التفسير : بعد أن عرض اللّه سبحانه وتعالى أهل الكتاب فى هذه المعارض المختلفة، فى زيفهم وطغيانهم، وفيما أخذوا به من نقمة وبلاء، وفى غفلتهم عما بين أيديهم من حق وخير، واتّباعهم لما فى نفوسهم من سراب الأهواء والأباطيل ـ بعد هذا كان من اللّه ـ سبحانه ـ هذا النداء الكريم، لنبيه الكريم :« يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » ـ فهو أمر ملزم للرسول أن يؤذّن فى الناس بما يتلقّى من آيات ربّه.. « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ».
. فتلك هى مناط رسالة الرسول، وفحوى الحكمة من رسالته.. إنه وصلة بين اللّه والنّاس، وفى هذا يقول اللّه تعالى :« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ » (١ : المدثر) ويقول سبحانه :« فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ » (٩٤ : الحجر) وقوله تعالى :« وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » هو تنبيه للرّسول، وإلفات له إلى الأمر الذي دعاه اللّه إليه، وأنه إن لم يفعل فقد حبس هذا الخير المرسل من اللّه إلى عباده دون أن يصل إليهم..
وانظر إلى قوله تعالى :« وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » وقف خاشعا بين يدى هذا الأدب السماوي، وأقصر الطرف عن النظر إلى جلال هذا الإنسان العظيم الذي يخلع اللّه عليه خلعا وضيئة من فيوض رحمته، وغيوث رضوانه، فلا يلقاه ربّه إلا بهذا اللطف العظيم، فى أمر لو وقع لكان داعية للّوم، أو الوعيد بالعقاب الشديد! ولكنه ـ سبحانه سبحانه ـ يرفع نبيّه الكريم، عن موطن العتاب، أو اللوم.. فيقول له ـ جل شأنه ـ « وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » ! ولم يقل سبحانه :« وإن لم تفعل فأنت ملوم، أو مؤاخذ ».