ج ٤، ص : ٢٠٦
ومع هذا، فقد أوسع اللّه لهم فى باب رحمته، فكشف عنهم الضرّ، ودفع عنهم البلاء.. فلما اطمأنوا، عادوا إلى ما كانوا عليه من شرك وكفر..
« قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ».
وقوله سبحانه :« قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ».
فاللّه الرحمن الرحيم، هو منتقم شديد العقاب.. قادر على أن يبعث على هؤلاء المشركين المحادّين للّه ورسوله، صواعق مهلكة من السماء، أو بحارا مغرقة من الأرض، أو أن يلبسهم شيعا، أي يجعلهم أهواء متفرقة، ومذاهب متقاتلة، يضرب بعضهم بعضا، ويذيق بعضهم بأس بعض..
وقوله تعالى :« أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً » أي يخلطكم شيعا وفرقا، حتى ليكاد يلبس بعضكم بعضا، كما يلبس الجسد الثوب، مع تفرقكم مشاعر وعواطف ونزعات.. وهذا هو البلاء، أعظم البلاء، يصاب به مجتمع، يحويه مكان واحد، وحياة واحدة.. وإنه لا نعمة أعظم من نعمة الألفة بين قلوب الجماعة، تلك الألفة التي تجمعها على الحب والمودة والرحمة، وفى هذا يقول اللّه تعالى :« وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ».
وقوله تعالى :« انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ».
إلفات لكل ذى عقل أن ينظر إلى هذه الآيات التي تكشف عن جلال اللّه، وقدرته، وعلمه وحكمته، والتي يجلّيها فى معارض شتّى، بحيث يرى منها كل ذى نظر، وجه الحق، ويتعرف طريقه إلى اللّه.. وما ذلك إلا ليتنبه هؤلاء