ج ٤، ص : ٢١٣
أو شر.. والأصل فى الباسل، أنه الكريه، المخيف، الذي يتجنبه الناس، ومنه سمىّ الفارس الشجاع : باسلا، لأن المحاربين يتجنبونه، ويصدّون عن لقائه، وفى هذا يقول عنترة :
فإذا ظلمت فإن ظلمى باسل مرّ مذاقته كطعم العلقم
وقوله تعالى :« وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها » أي أن النفس ـ كل نفس ـ لا ينفعها إيمان، ولا عمل يوم القيامة، فهى فى دار حساب وجزاء، وليست فى دار إيمان وعمل.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :« يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً » (١٥٨ : الأنعام) والمراد ببعض آيات ربك، هو ما يكون بين يدى الساعة من علامات وإرهاصات.
وقوله تعالى :« أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ » هو إمساك بمخانق هؤلاء الذين أشركوا باللّه، وعرض لهم فى هذا الموقف العظيم على رؤوس الأشهاد، والإشارة إليهم وهم فى قفص الاتهام :« أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا » من سيئات، لا شىء معهم غيرها.. والباء هنا للإلصاق، مثل قوله تعالى :« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ » (٢١ : الطور) هؤلاء الذين أشركوا باللّه، وأفردوا، بما كسبت أيديهم من آثام، ووضعوا موضع المساءلة والحساب ـ ما تكاد العيون تأخذهم، وترى ما على وجوههم من غبرة ترهقها قترة، حتى يؤذّن مؤذّن الحق، بالحكم الذي حكم عليهم به أحكم الحاكمين :« لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون » لا شىء لهم غير هذا، فليذقوه حميما وغسّاقا.. فتلك هى عاقبة الكافرين.
والحميم : هو الماء الحار الذي اشتدّ غليانه، ومنه الحمم، وهى القطع الملتهبة من النار.


الصفحة التالية
Icon