ج ٤، ص : ٢١٧
والحكمة فى المخالفة بين المطلبين، مطلب الإسلام للّه والإيمان به، ومطلب إقامة الصلاة وتقوى اللّه، إذ جاء المطلب الأول بصيغة المتكلم، على حين جاء المطلب الثاني فى صيغة المخاطب ـ هى أن الإيمان باللّه مطلوب من الإنسان أولا أن يبحث عنه بنفسه، وأن يهتدى إليه بعقله، فإذا هو أصبح فى المؤمنين، كان مهيأ لأن يتلقى شريعة هذا الدين الذي آمن به، وأن يتعرف على ما ينبغى أن يؤديه للّه الذي عرفه، وأسلم له.. من عبادات، وطاعات.. فكانت الصلاة بعينها، هى المطلوب الأول من المؤمن أن يؤديه للّه، ويتصل به عن طريقه..
ثم كانت « التقوى » على إطلاقها، هى المطلوب الذي يجمع جميع الطاعات والعبادات، ومنها الصلاة، التي أفردت بالذكر، لعظم شأنها فى تحقيق التقوى.
وقوله تعالى :« وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » هو تذكير باللّه، وبالموقف الذي يقفه الناس بين يديه يوم القيامة.
وقوله سبحانه :« وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ » عرض لقدرة اللّه وجلال عظمته، وأنه قادر على أن يبعث الناس بعد موتهم، ويحشرهم إليه، ويوفّيهم حسابهم عنده..
وفى قوله تعالى :« بِالْحَقِّ » إشارة إلى أن هذا الخلق الذي خلقه اللّه من سماوات وأرض، وما فى السموات والأرض، وما هو غير السموات والأرض ـ كله خلق بالحق، أي متلبسا بالحق.. كل ذرة فيه عن تقدير وعلم، وحكمة، وليس عن مصادفة عابثة أو هوى لاه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :« وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ » (٣٨ ـ ٣٩ :
الدخان) وقوله سبحانه « أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ.. » (١١٥ ـ ١١٦ المؤمنون).