ج ٤، ص : ٢٧٥
ثورة على المعتزلة
لهذا لم يرتض كثير من المسلمين آراء المعتزلة، وإن حمدوا للكثير منهم دفاعهم عن الدّين، وكسرهم من حدّة السلبيّة، التي استولت على المجتمع الإسلامى، بعد تلك الفتن الكثيرة، والجراحات القاتلة، التي أصابت الصميم من الجسد الاجتماعى الإسلامى، التي أصابت المسلمين، بعد مقتل الإمام علىّ ـ كرم اللّه وجهه ـ ومصارع أهل البيت ـ رضوان اللّه عليهم ـ وامتحان كثير من صحابة رسول اللّه، والتابعين، على يد الخلفاء الأمويين والعباسيين على السواء..
فكان الاستسلام للأحداث، والتسليم بالهزيمة هو العزاء لكثير من النفوس، حتى لقد كان لسان حال الناس فى كل أمر هو : هذا ما قضى اللّه وقدّره! وكان هذا القول ـ وهو قول حق ـ يقال فى كل حال داعية إليه، أو غير داعية، يتعزّى به الناس عند كل مصيبة، ويستدعونه عند كل نازلة، دون استحضار هممهم، وبذل جهدهم.. والقول بأن هذا قضاء اللّه وقدر اللّه، هو قول حق، ولكن الاستنامة فى ظل هذا القول، وإلقاء كل أخطائنا على القدر، هو الذي لا يرضاه، عقل، ولا يقرّه دين « ١ ».
من أجل هذا قام المعتزلة فى وجه هذه الظاهرة، وتصدّوا لتلك الدّعوة المريضة، ولكن بدلا من أن يقتصدوا فى تقرير مسئولية الإنسان، وفى إبراز شخصيته، وإثبات وجوده مع أحداث الحياة ـ بالغوا أيّما مبالغة فى هذا الأمر، فبعد أن كان القول الذائع بأن إرادة اللّه فوق كل شىء، وإرادة العبد لا شىء ـ أصبح القول عند المعتزلة هو : إن إرادة العبد هى كل شىء، وإن إرادة اللّه لا شى ء!.
_________
(١) انظر بحثنا فى القضاء والقدر فى كتابنا « القضاء والقدر بين الفلسفة والدين ».