ج ٥، ص : ٧٨٥
دينهم، وأن يعقدوا معهم حلفا ضدّ دولة العرب الناشئة..
ولهذا بادر النبىّ ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ إلى مبادأة القوم، وأخذ السبيل عليهم إلى الغاية التي أرادوها.. فدعا المسلمين إلى الجهاد، وأراهم الوجه الذي يقصده، والغاية التي يريدها، وقد كان ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ إذا أراد الغزو لم يكشف عن الجهة التي يقصدها، ولا القوم الذين يقاتلهم..
أما فى هذه الغزوة، فقد كشف للمسلمين عنها، وأعلمهم أنه يريد حرب الروم..
وذلك حتى يأخذ المجاهدون الأمر عدّته، ويعملوا له حسابه، إذ كانت الشقّة بعيدة، والعدوّ كثير العدد والعدّة.
وكانت دعوة النبىّ إلى لقاء الروم فى أعقاب سنة شديدة الجدب، تخلّف فيها المطر، فأضرّ بالناس، والزروع والأنعام، وقد حضر بين يدى الناس ما نضج من ثمار النخيل والأعناب، على قلته، وشدة الحاجة إليه.. فكان ذلك ابتلاء.. لأنهم يدعون إلى القتال بعد سنة قاسية مجدبة، وفى موجات عاتية من حرور وسموم.. على حين قد حضرهم شىء من نضيج الثمار، وفىء الظلال.. فليس بعد هذا الابتلاء ابتلاء، ولا وراء هذا الامتحان، امتحان..
وتعالت حكمة اللّه، الذي أراد أن يمحّص ما فى صدور المؤمنين من إيمان، وليبتلى ما فى قلوبهم من ولاء للّه ولرسوله.. فإن قسوة هذا الامتحان، هى التي تكشف عن معدن الإيمان، حتى يرى المؤمنون حظوظهم منه، وذلك بعد أن تمت الرسالة، وبلغت الدعوة غايتها.
وقد كشف هذا الامتحان فعلا عن أكثر من حقيقة :
فهناك مؤمنون لا يعرفون غير السمع والطاعة للّه ولرسوله.. ولا يؤثرون على ولائهم للّه ولرسوله، نفسا أو مالا أو ولدا..
فهؤلاء السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.. ما إن سمعوا دعوة


الصفحة التالية
Icon