ج ٨، ص : ٥٥٢
العالمين.. ويطالبون أن يكون المبعوث إليهم ملكا من ملائكة اللّه، أو اللّه ذاته، كما يقول سبحانه على لسانهم :« وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً » (٢١ : الفرقان).
ـ وفى قوله تعالى :« لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ » استبعاد لصلاحية الملك أن يؤدى رسالة الرسول بين الناس.. إنه ملك، وهم بشر..
فلو جاء إلى الناس على صورة غير صورة البشر لفتنوا به إذا خاطبهم ـ وهو غير إنسان ـ بلسانهم وتحدّث إليهم بلغتهم.
ولو جاءهم فى صورة إنسان، لظلت الشبهة قائمة عندهم فى أن هذا الرسول بشر.. وفى هذا يقول اللّه تعالى :« وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ » (٩ : الأنعام) أي أنه إذا كان من تدبير اللّه سبحانه وتعالى أن يبعث إلى الناس ملكا رسولا لاقتضت حكمته أن يكون هذا الملك فى صورة بشرية كاملة، حتى يمكن أن يلتقى بالناس ويبلغهم رسالة ربّه! وهذا لا يغيّر من واقع الحال شيئا.. فملك فى صورة بشر.. هو فى حساب الناس بشر.
قوله تعالى :« قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » هو تهديد لهؤلاء المشركين، بأن يتركهم النبىّ وشأنهم، وما هم فيه من ضلال وعمى، بعد أن أبلغهم رسالة ربّه، ورفع لأبصارهم أضواء الحق، وأنوار الهدى.. واللّه شهيد على ما كان من النبىّ وما كان منهم، واللّه سبحانه لا تخفى عليه خافية، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا، مطلعا على ما يسرّون وما يعلنون.


الصفحة التالية
Icon