عليه، وخَصْماً لديه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :" القرآن حجة لك أو عليك " خرّجه مسلم. فالواجب على مَن خَصّه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته، ويتدبّر حقائق عبارته ؛ ويتفهّم عجائبه، ويتبيّن غرائبه ؛ قال الله تعالى :
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ﴾
وقال الله تعالى :﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾
. جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته، ويتدبّره حق تدبّره ؛ ويقوم بقسطه، ويوفي بشرطه، ولا يلتمس الهُدَى في غيره ؛ وهدانا لأعلامه الظاهرة، وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم جعل إلى رسوله صلى الله عليه وسلّم بيان ما كان منه مجملاً، وتفسير ما كان منه مُشْكِلاً، وتحقيقَ ما كان منه محتملاً ؛ ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص به، ومنزلة التفويض إليه ؛ قال الله تعالى :﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾
. ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم استنباط ما نبّه على معانيه، وأشار إلى أصوله ليتوصلوا بالاجتهاد فيه إلى علم المراد ؛ فيمتازوا بذلك عن غيرهم، ويختصوا بثواب اجتهادهم ؛ قال الله تعالى :﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
. فصار الكتاب أصلاً والسنة له بياناً، واستنباط العلماء له إيضاحاً وتبياناً. فالحمد لله الذي جعل صدورنا أوْعِيَةَ كتابه، وآذاننا مواردَ سنن نبيّه ؛ وِهمَمنا مصروفةً إلى تعلّمهما والبحث عن معانيهما وغرائبهما ؛ طالبين بذلك رِضَا رب العالمين، ومتدرّجين به إلى علم المِلّة والدِّين.