فالحمدُ لله الذي كرمنا بتصديقه، وشرّفنا باتِّباعه، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أزكى صلواته، وأفضلَ سلامه، وأتمَّ تحياته.
ثم أما بعد فإنّ من جسيم ما خصّ الله به أمة نبينا محمد ﷺ من الفضيلة، وشرَّفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظَه ما حفظ عليهم -جلّ ذكره وتقدست أسماؤه- من وحيه وتنزيله، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم ﷺ دلالة، وعلى ما خصه به من الكرامة علامةً واضحة، وحجةً بالغة، أبانه به من كل كاذب ومفترٍ، وفصَل به بينهم وبين كل جاحد ومُلحِد، وفرَق به بينهم وبين كل كافر ومشرك ؛ الذي لو اجتمع جميعُ من بين أقطارها، من جِنِّها وإنسها وصغيرها وكبيرها، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. فجعله لهم في دُجَى الظُّلَم نورًا ساطعًا، وفي سُدَف الشُّبَه شهابًا لامعًا وفي مضَلة المسالك دليلا هاديًا، وإلى سبل النجاة والحق حاديًا، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[ سورة المائدة : ١٦ ]. حرسه بعين منه لاَ تنام، وحاطه برُكن منه لاَ يضام، لاَ تَهِي على الأيام دعائمه، ولا تبيد على طول الأزمان معالمه، ولا يجوز عن قصد المحجَّة تابعه ولا يضل عن سُبُل الهدى مُصَاحبه. من اتبعه فاز وهُدِى، ومن حاد عنه ضلَّ وغَوَى، فهو موئلهم الذي إليه عند الاختلاف يَئِلون، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعقلون وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون، وفصْل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون، وعن الرضى به يصدرون، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون.


الصفحة التالية
Icon