الرابع : وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الاعطاء وأزال أسباب المنع، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيراً بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولاً بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصاً بما تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير : أنت أبداً تجيئني بالإيلام وفرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك، فبيّن سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل.
فإن قيل : ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني لا يبطل الأجر.
قلنا : بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله ﴿لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى﴾ يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٧ صـ ٤١ ـ ٤٢﴾
وقال القرطبى :
المَنُّ : ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها ؛ مثل أن يقول : قد أحسنت إليك ونَعْشْتُك وشبهه.
وقال بعضهم : المنّ : التحدّث بما أَعطى حتى يبلغ ذلك المعطَى فيؤذيه.