وثالثها : أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة، ومعشوقها أمران : الحياة العاجلة والمال، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت، فلهذا دخل فيه ﴿مِنْ﴾ التي هي التبعيض، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها، وهو المراد من قوله ﴿وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ﴾ [ الصف : ١١ ] وهذا الوجه ذكره صاحب " الكشاف"، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها : وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع : أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال :﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [ الرعد : ٢٨ ] فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً﴾ [ الإنسان : ٩ ] ووصف إنفاق أبي بكر فقال :﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى، وَلَسَوْفَ يرضى﴾ [ الليل : ١٩، ٢٠، ٢١ ] فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض.
فهناك اطمأن قلبه، واستقرت نفسه، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه، ولهذا قال أولاً في هذا الإنفاق إنه لطلب مراضاة الله، ثم أتبع ذلك بقوله ﴿وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ وخامسها : أنه ثبت في العلوم العقلية، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات.


الصفحة التالية