والذي دل على تقدير " قالوا " دون غيره أنه لما أكمل قولهم في القوة النظرية الكفيلة باعتقاد المبدأ أتبعه قولهم في القوة العملية الكائنة في الوسط عطفاً عليها :﴿وقالوا سمعنا﴾ أي بآذان عقولنا كل ما يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا له ﴿وأطعنا﴾ أي لكل ما فيه من أمرك.
قال الحرالي : فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء وخالفوهم في معاجلة التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ما على المصر - انتهى.
ولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان أشاروا إلى ذلك تواضعاً منهم كما هو الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع طاعتهم معترفين بالمعاد :﴿غفرانك﴾ أي اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي يليق إضافته إليك لما له من الكمال والشرف والجلال ما قصرنا فيه ولا تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك هلكنا، والحاصل أنهم طلبوا أن يعاملهم بما هو أهله لا بما هم أهله فجرى بما جراهم عليه في قوله :﴿فيغفر لمن يشاء ﴾.
قال الحرالي : فهذا القول من الرسول ﷺ كشف عيان، ومن المؤمنين نشء إيمان،
ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان،
فهو شامل للجميع كل على رتبته - انتهى.
وزادوا تملقاً بقولهم :﴿ربنا﴾ ذاكرين وصف الإحسان في مقام طلب الغفران.
قال الحرالي : وهو خطاب قرب من حيث لم يظهر فيه أداة نداء، ولم يجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداء بُعد قط ؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطي الملء ليكون غفراً للظاهر والباطن وهو مصدر محيط المعنى نازل منزلة الاستغفار الجامع لما أحاط به الظاهر والباطن مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله سبحانه وتعالى التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة،
لأن هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة لاجتماعهما في كونهما من الكنز الذي تحت العرش،


الصفحة التالية
Icon