﴿مِن قَبْلُ﴾ متعلق بأنزل أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب، وقيل : من قبلك والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان كذا قالوا برمتهم، وأنا أقول التصريح به للرمز إلى أن إنزالهما متضمن للإرهاص لبعثته ﷺ حيث قيد الإنزال المقيد بمن قبل بقوله سبحانه :﴿هُدًى لّلنَّاسِ﴾ أي أنزلهما كذلك لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذي من جملته الإيمان به ﷺ واتباعه حيث يبعث لما اشتملتا عليه من البشارة به والحث على طاعته عليه الصلاة والسلام والهداية بهما بعد نسخ أحكامهما بالقرآن إنما هي من هذا الوجه لا غير، والقول بأنه يهتدى بهما أيضاً فيما عدا الشرائع المنسوخة من الأمور التي يصدقها القرآن ليس بشيء لأن الهداية إذ ذاك بالقرآن المصدق لا بهما كما لا يخفى على المنصف، ويجوز أن ينتصب ( هدى ) على أنه حال منهما والإفراد لما أنه مصدر جعلا نفس الهدى مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذوي هدى، وجعله حالاً من ﴿الكتاب﴾ [ آل عمران : ٣ ] مما لا ينبغي أن يرتكب معه. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٣ صـ ٧٧﴾
فائدة
قال ابن عاشور :
وتقديم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ على ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ للاهتمام به. وأما ذكر هذا القيد فلكي لا يتوهم أن هدى التوراة والإنجيل مستمر بعد نزول القرآن. وفيه إشارة إلى أنها كالمقدمات لنزول القرآن، الذي هو تمام مراد الله من البشر ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإسْلامُ﴾ [آل عمران : ١٩] فالهدى الذي سبقه غير تام.


الصفحة التالية
Icon