والجواب عن السؤال الثانى : أن الآية الأولى من سورة الأنفال إنما جئ فيها بالاسم الظاهر فقيل"كفروا بآيات الله"، لتقدم ذكر الملائكة فى قوله"ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم" بنسبة الفعل للملائكة وتقدم أيضا" وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم" ولم يتقدم فى آل عمران ذكر فعل لغير الله تعالى ولا نسبة شئ لسواه فجئ بآيات مضافة إلى ضميره تعالى فقال"كذبوا بآياته" على طريقة الالتفات وجاء فى الأنفال"كذبوا بآيات الله" بالإضافة إلى الاسم الظاهر ليعلم أن الأمر له عز وجل وأنه مريهم الآيات ولا فعل إلا له وأن الملائكة مسخرون بأمره وفعلهم من خلقه وتزيين الشيطان لهؤلاء الكفار إنما هو بقدر الله وسابق مشيئته وكل ذلك خلقه وملكه والآيات آياته وله المثل الأعلى وقيل فى الثانية"بآيات ربهم" ليجرى مع ما تقدمه متصلا به من قوله تعالى :"ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم" فذكر ابتداءه بالنعم فناسبه ذكر ملكيته سبحانه لهم بقوله"بآيات ربهم" فهو المحسن والمالك ثم جرى القدر بما سبق لهم فإيراد قوله"كذبوا بآيات ربهم" مع ما تقدم أوقع فى نفوسهم وأشد فى تحسرهم وندامتهم إذا شاهدوا الأمر فعلموا أنه مالكهم وأنه ابتدأهم بالنعم فغيروا فحصل من ذلك أنهم قابلوا نعم ربهم بالكفر مع بيان الأمر ووضوحه ولو قيل : بآيات الله لما أحرز هذا المعنى المعرف بملكيته لهم والمشير لندامتهم وتحسرهم ولا خفاء بالفرق بين قول القائل لمن كفر بنعمة الله : إنما كفرت بنعمة مالك المحسن إليك ومبتديك بالنعم وبين أن لو قيل له : إنما كفرت بنعمة الله فتأمل ما بينهما ولهذا ابتدئ دعاء الخلق فى سورة البقرة إلى الإيمان بقوله :"يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم" إلى آخر الآية.